السيد محمد تقي المدرسي

299

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

ومن هنا كان المشرع يعمل باستمرار بغايه تحقيق هدف قريب أو فوري ، كتجنب خطر ماثل ، أو اضطراب أكيد ، أو حاجة صريحة . وحتى عندما يتناول الموضوع توقّعات بعيدة المدى فان الاتفاق يتمّ على نتيجة أقرب ، حينما يكون ذلك ممكناً ، فالقوانين التي الغت تدريجياً حق إلاشراف الذي منحه القانون المدني إلى الوالدين على زواج أولادهم البالغين ، تستند إلى اعمال تحضيرية تميط اللثام بايجاز ، عن اتفاق عام في الرأي العام المعاصر ، حول حرية زواج البالغين ، كان هذا القريب كافياً ، دون تحقيق لاحق لابراز مفهوم الأسرة ودورها . أما مبدأ الزواج من امرأة واحدة ، فهو مقبول حتى في مؤلفات القانون المدني دون التساؤل عن أسبابه الموجبة « 1 » . ولكن يبدو ان هذه الادلّة وسواها ، لا تقوى على الميل الفطري العنيف عند الانسان لمعرفة الحقائق المطلقة وتنظيم حياته وفقها . والأهداف البعيدة التي لا تعرف الا ببحوث عميقة تهدف وعي الحقائق الكبرى . ثم إن إثارة هذه الأهداف لجدل كبير ، تزيدنا اصراراً على التعمق فيها ، لأنها موضع اهتمام الناس ، ولن يكون شيء كذلك الا لأنه هام ومفيد . ثم إن ترك ما يهتم به الناس ويبنون عليه حياتهم ، نوع من الاستهانة برأيهم . اما لو أن مشرعاً أقام نظامه القانوني على أساس فلسفة معيّنة ، وبيّن للناس ذلك ، كان الناس احراراً في القبول بتلك الفلسفة والقانون القائم على أساسها ، أو رفضها معاً ، وليس في ذلك من الديكتاتورية شيء . مضافاً إلى أن طبيعة القانون هي الأخرى - كما فلسفة القانون - محور اختلاف الناس فهل نترك البحث فيها ايضاً . من هنا لم يلق هذا الموقف تأييد جميع المفكّرين إذ ظلّ البحث عن الأهداف المقبولة يشغل أذهانهم « 2 » . والسبب في ذلك - حسب باتيفول - انه قد يثار الاعتراض على هدف مقبول بشكل عام في ظروف يتم التساؤل هل ما زال يستحق متابعته ، وما هي بالتالي قيمته . « 3 » .

--> ( 1 ) - فلسفة القانون ص 76 . ( 2 ) 1 - فلسفة القانون ص 76 . ( 3 ) 2 - المصدر ص 77 . .